موقف الزيدية وأهل السنة من العقيدة الإسماعيلية وفلسفتها

مقدمة: بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وأشهد أن ألا إله إلا الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد الذين لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، وأصلّي وأسلم على أشرف خلق الله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد : فقد اختلفت فرق الشيعة في التفاصيل ، ولكنها اتفقت جميعها على أن عليا أحق المسلمين بالإمامة والقيام بالأمر في أمته . وكانت فرقة الزيدية والإمامية والإسماعيلية أبرز فرق الشيعة انتشارا وأكثرها أمة وجمهورا . ومع ذلك فإنهم يكذّب بعضهم بعضا ، ويضلّل أحدهم الآخر مع ما بينهم من التناقضات في الاعتقادات ولا سيما في الإمامة . إلا أن الشيعة الإسماعيلية انفردت عن غيرها من الفرق الشيعية الأخرى بتعرضها لحملات شديدة من جمهور المسلمين الذين يتهمون عقائدها بأنها عقيدة دخيلة لا تمت إلى الإسلام إلا في الظاهر . لذلك يرى أهل السنة أن الإسماعيلية من المذاهب الخارجة عن الإسلام ، ويرى ذلك أيضا الزيدية من الشيعة فقالوا إنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، ولا يتقلدون بشيء من الشرائع . هذه دراسة متواضعة عن موقف الزيدية من فلسفة الباطنية وعقائدها بعنوان "جهود الزيدية في الرد على الباطنية" . أقدمها لنيل درجة "الدكتوراه" من قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم ، جامعة القاهرة . وإذا رجعنا إلى تاريخ الصراع بين الشيعة الزيدية والشيعة الإسماعيلية الباطنية ، لوجدنا أن الصراع بينهما يقع في اليمن ، وكان دعاة الشيعة اتجهوا إلى هذه البلاد لبعدها عن حاضرة الخلافة العباسية ، فضلا عما عرف عن أهلها من ميلهم إلى عليّ بن أبي طالب الذي قدم إلى بلادهم ثلاث مرات في عهد الرسول ، غير أن بداية ظهور طوائف الشيعة في اليمن باستثناء الزيدية ، يكتنفها الغموض ، وإن كانت تشير المصادر إلى وجود الشيعة الإثنا عشرية في اليمن في عدن أبين ، وعدن لاعة . وقد انتشر الإسماعيلية الباطنية في أماكن متعددة في اليمن ممتزجين مع الزيديين الذين يشكّلون الأكثرية ، جعلهم يلعبون دورا سياسيا هاما أثناء سيطرة القوى الأجنبيـة على اليمن وفي كل العصور . وقد تجلى نشاط الشيعة الإسماعيلية في اليمن ، حيث بعث محمد الحبيب – إمام الإسماعيلية بسلمية – كلا من علي بن الفضل اليماني ، وبصحبته أبي القاسم رستم بن الحسين بن فرح بن حَوْشَب الكوفي ، لينشرا الدعوة للمهدي من آل محمد ، فلما وصلا إلى اليمن سنة ( 268هـ ) ، أخذ في بث الدعوة الإسماعيلية ، وكان الإمام الهادي يحيى بن الحسين (تـ298هـ) الذي وصل من قبلها ينشر الدعوة الزيدية ، ويتصدّى لها ، بل أصبح الصراع بين الفريقين على أشدّه من أجل الانفراد بالإمامة . ويضاف إلى ذلك ، أن اليمن كانت المركز الأكثر نشاطا بالنسبة للدعوة الإسماعيلية أو المدرسة الأكثر إنتاجا من الوجهة العلمية ، فالمؤلفون الذين تخرجوا منها قدّموا أقوم المؤلفات التي تظهر الوجه الصحيح للفلسفة الإسماعيلية . كما أن اليمن قد أسهمت بالتأسيس السياسي الأول للإسماعيلية ، وتابعت السير على المنهج الفاطمي بصورة مستقلة وظلت هكذا حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية ، وأيا ما كان الأمر ، فإن اليمن هو القطر الشرقي الوحيد الذي كان محط أنظار الفاطميين وموضع اهتمامهم ، فكانوا يطمعون في إقامة دولتهم الفاطمية في إقليم اليمن ، ولكن أسبابا متعددة جعلتهم يتجهون إلى بلاد المغرب ، فيقيمون دولتهم، بعد أن نشروا تعاليم دعوتهم في اليمن ومهدوا كافة الصعوبات التي كانت تعترض سيرهم ( ) . ويلاحظ أن الصراع بين الزيدية والإسماعيلية قد اتخذ شكلين متميزين ، أما الشكل الأول : فهو شكل المواجهة المسلّحة ، فيتنافس الزيدية والإسماعيلية للوصول إلى السلطة والسيطرة في البلاد . وأما الشكل الثاني – موضوع بحثنا – : فهو صراع فكري ، حيث يتبادلان التهم بالطريقة الفكرية ، وخاصة في مسألة الإمامة . ويتضح ذلك – إن شاء الله تعالى – في الباب الثالث من هذا البحث . وقد لخص لنا الأستاذ جعفر سبحاني - أحد أعلام الشيعة الإمامية المعاصرة - ملامح الصراع المسلّحة والعداوة بينهما ، فبين أنّ الزيدية والإسماعيلية من الفرق الشيعية ، وبينهما مؤتلفات ومفترقات ، وقد اتفقت الطائفتان ، على أنّ تحقيق القيادة الإسلامية بعد رحيل النبي الأعظم ليس بالبيعة والإختيار ، ولا للأَُمة فيها حظّ، ولا نصيب شأن كلّ مورد سبقت مشيئته على إرادة الاَُمّة ومشيئتها ، بل تحقيقها بالنص من الرسول على فرد من آحاد الأمّة ، وقد اتفقتا على أنَّ النصّ صدر منه لعلي وابنيه الحسن والحسين ، غير أنّ الزيدية قالت باستمرارها بعد الحسين السبط بالخروج والدعوة ، وقد تمثلت الضابطة في بادئ بدئها بخروج الإِمام زيد ، ثم ابنه يحيى وهكذا ، لكن الإسماعيلية قالت باستمرار النصّ الإِلهي بعد الحسين على إمامة زين العابدين فابنه الإمام الباقر ، فالإمام الصادق ، وبعده ابنه إسماعيل الذي هو مهدي الأمّة عندهم . وطبيعة الحال كانت تقتضي سيادة الوئام والالتحام بين الفرقتين والتعايش الهادىَ في البيئات التي تحتضن كلتا الفرقتين ، كاليمن الخصيب وجنوب الجزيرة كحضرموت ونجران ، ولكن خاب الظنُّ وخسر ، لأنّ تاريخ اليمن تاريخ دمويّ يحكي عن كون الحرب لم تزل بينهما سجالاً - تبيد البلاد والعباد وتهلك الحرث والنسل - قروناً كثيرة .. ثم عبر في النهاية عن أسفه الشديد على هذه العداوة بقوله : " إن أئمة الزيدية وإن خرجوا بالسيف وأعلنوا الجهاد ، ولكن لم يكن جهادهم مع المشركين والكافرين ، بل كانت مع إخوانهم الإسماعيلية (القرامطة) ... ومن جراء هذه الفتن والحروب المدمرة ، صارت حياة الطائفتين في أغلب العصور ، حياة دموية تأكل الحرب أخضرهم ويابسهم ، وربما تشعل فتيل الحرب بين مدعيين للإمامة من الزيدية ، باعتقاد كل بقبيلته وأسرته ، وقد انتهت الخلافات القبلية إلى ظهور الجمهورية ، فأطاحت بالإمامة على الإطلاق ، وقالت : لازيد ، ولا عمرو ، ولا إبراهيم ، ولا إسماعيل " ( ) . وبهذا اتسمت العلاقة بين الزيدية والإسماعيلية أو ماعرف في اليمن باسم الباطنية أو القرامطة بالصراع الدائم . هذا عن المواجهة المسلحة ، وأما عن المواجهة الفكرية ، فيبدو أن الزيدية تطلعت إلى خطورة انتشار الأفكار الباطنية في المجتمع ، فحرصوا كل الحرص على كشف ملابسات الدعوة الباطنية وتحركاتهم بملاحقتهم في أي مكان و زمان وفي أي مركز من مراكز القيادة الباطنية السرية في البلاد . ولذلك يقوم علماء الزيدية بالرد على هذه الأفكار المخالفة للإسلام ، ويتبين ذلك في مؤلفات أعلامهم ، ونذكر على سبيل المثـال : كتاب "الرد على الرافضة" للإمام القاسم الرسي (تـ246هـ) ، ومجموع رسائل الإمام حميدان بن يحى (تـ656هـ) ، وكتاب "حقائق المعرفة في علم الكلام" للإمام أحمـد بن سليمان (تـ566هـ) ، وكتاب "قواعد عقائد آل محمد" للإمام محمد بن الحسن الديلمي (تـ711هـ) ، وكذا واضح من كتابات الإمام يحيى بن حمزة (تـ749هـ) الذي تأثر بالفكر الإعتزالي ، حيث يرى أن حرب الإسماعيلية وغيرهم من الفرق والمذاهب لا يتم عن طريق السلاح ، وإنما بالفكر والعقل ، لذلك ، خصص لهذا الغرض بكتابة كتابين في الرد على الباطنية ، وهما : "الافحام لأفئدة الباطنية الطغام" و "مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية" ( ) . وغيرها من الكتب الزيدية الأصلية التي تردّ على عقائد الإسماعيلية الباطنية كما سجلتها في ثنايا البحث ، إلا أنني قد اعتمدت على هذه الكتب المذكورة اعتمادا رئيسيا في كتابة هذا البحث . لأنها كتبت معظمها للرد على عقائد الباطنية . وقد أشار الشيخ عبد العزيز الزبيري اليمني في كتابه "اذهبوا فأنتم الرافضة" إلى امتداد الصراع الفكري بينهما حتى هذا العصر بقوله : " مما يجب التنبيه إليه والتحذير منه ، ما تتعرض له اليمن من غزو رافضي شيعي من قبل الإثنى عشرية والإمامية والباطنية .. هذا الغزو الرافضي الشيعي الذي يقوده البعض من أبناء جلدتنا ، من أعمتهم الأهواء والأطماع والنوازع العنصرية ، يشكل خطرا على المذاهب المعتدلة في اليمن ، حيث تسعى الرافضة للقضاء على الزيدية والهادوية ، وإحلال المذاهب الإثنى عشرية والباطنية والأفكار السبئية مكانهما . وفي بعض مناطق اليمن ، وكادت كتب ومراجع الشيعة الرافضة أن تطغى على كتب الزيدية والهادوية ، وأنهم قد انخدعوا واغتروا بأفكار الروافض من أصحاب المذاهب الهدامة التي أنكرها وحاربها علماء وأئمة الزيدية والهادوية طوال الأزمنة الماضية " ( ) . إذن ، فإن تاريخ الصراع بين الزيدية والباطنية ، لا يقتصر بالمواجهات الفكرية فقط ، بل وصل الأمر إلى حدّ المواجهات المسلحة ، وقد وقع هذا الصراع منذ زمن بعيد وامتد أثره إلى عصرنا الحاضر وخصوصا في اليمن . فلقد أدركت من البداية صعوبة هذا الموضوع ، ووعورة الطريق ، وخاصة عند تناولي للمذهب الإسماعيلية الباطنية ، وإذا كان الحصول على كتب الباطنية لا يخلو من مشقة ، فإن قراءتها أكثر صعوبة ومشقة . ذلك لأن الكلام في عقائدهم وأُصولهم التي بنوا مذهبهم عليها أمر معقّد ومشتّت ، وهذا يرجع إلى أنهم مزجوا عقائدهم بالأديان الأخرى والفلسفة اليونانية ، فوفّقوها حتى أصبحت عقيدتهم عقيدة تلفيقية ، وبخاصة عند استخدامهم التأويل المتعسف الذي لا يُبنى على قاعدة معينة ومحددة نستطيع الرجوع إليها . فتأويلاتهم للآيات وتفسيرها بالأهواء جعل المذهب يتطور مع تطور الزمان ، ويتكيف بمكيفاته ، ولا ترى الدعوة أمامها أي مانع من مماشاة المستجدات وإن كانت على خلاف الشرع . وقد أكد صعوبة البحث عن هذا المذهب الباطنية الكاتب الإسماعيلي الدكتور مصطفى غالب : " إنّ العقائد الإسماعيليـة لا يمكن دراستها وبحثها على أنّها عقائد ثابتة لفرقة موحّدة ، وذلك أنّها عقائد تطورت حسب البيئات والأزمان ، واختلفت باختلافها، وتشعّبت آراؤها ونظرياتـها، حتى أصبح من الصعب أن تبلور هذ